الأربعاء , ديسمبر 7 2016
الرئيسية / هافينغتون / جزيرة يونانية سكانها 100 شخص تدفع ثمن إنقاذ مئات آلاف اللاجئين.. فمن يعينهم الآن؟

جزيرة يونانية سكانها 100 شخص تدفع ثمن إنقاذ مئات آلاف اللاجئين.. فمن يعينهم الآن؟

يدير ستراتيس فالاميوس محرك زورقه الأبيض الصغير لينطلق تحت ضوء قمر صغير من ميناء مدينته الساحلية شمال ليسبوس، ثالث أكبر جزر اليونان.

كانت السماء صافية لترى عبر الأفق جبال تركيا الداكنة على مقربة وراء بحر إيجه. لعل الفرصة هذه الليلة الهادئة الساكنة تكون مواتية لاصطياد الكالاماري، فالصياد فالاميوس بحاجة إلى صيد وفير هذه الأيام كي يكفي قوت يومه، حسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية.

لكن قبل عام من الآن كان هو وأصحابه الصيادون من قريتهم الصغيرة سكالا سيكامينياس يصطادون صيداً أغرب من السمك، كانوا ينتشلون آلاف الغرقى من اللاجئين الذين يصارعون الموت وأمواجه المتلاطمة هرباً من موت أكبر وفقر مدقع تركوه وراءهم في الشرق الأوسط وإفريقيا.

100 نسمة

ss

ولأن سكالا سيكامينياس من أقرب بقاع اليونان إلى تركيا، سرعان ما تحولت تلك القرية الصغيرة التي لا يزيد تعداد سكانها على 100 نسمة إلى أرض الحدث وقلبه، بكونها أولى محطات عبور اللاجئين إلى أوروبا على طريقهم نحو غد أفضل وحياة أكرم في ألمانيا.

يقول صاحبنا فالاميوس متحدثاً إلى النيويورك تايمز فيما يجيل بصره عبر الممر المائي الضيق أمامه: “كنت حينما أصل عرض البحر يقابلني 50 زورقاً تشق طريقها مترنحة نحوي، فأسارع صوبها، فيبدأون بإلقاء أطفالهم في مركبي لإنقاذهم”.

اليوم لا أثر تقريباً للاجئين الذين توقف سيلهم؛ فالساحل الذي كان يوماً قد طفح بسترات النجاة البرتقالية وحطام المراكب والزوارق قد نظِف حتى صار أبيض ناصعاً، بيد أن المأساة الإنسانية تركت بصمتها هنا وفي كل أنحاء جزيرة ليسبوس. بصمات بدأت آثارها تظهر الآن.

القرية خاوية

ss

خوت القرية هذا العام (2016) من زوارها أفواج السياح الألمان والسويديين وغيرهم؛ أقفرت منهم بعدما كانت تستقطبهم بمياهها النقية، فقد فضلوا أن يقصدوا وجهات أخرى لقضاء عطلتهم بعيداً عن أجواء الأسى والمحنة الإنسانية.

انخفضت بنسبة 80% نسبة انشغال فنادق القرية ومقاهيها، خصوصاً على طول الساحل الذي يبلغ طوله 12 كيلومتراً ما بين سكالا سيكامينياس وبين بلدة موليفوس السياحية التي كانت العام الماضي (2015) محطة وصول لأكثر من 800 ألف لاجئ رمتهم أمواج البحر سالمين على شاطئها.

فيما مضى كان الصياد فالاميوس يعيل نفسه بالعمل 5 أشهر كل عام في مقهى ميريفيليس ملبيري، الذي يطل على المرفأ الصغير ذي الطابع الريفي، حيث الصيادون منهمكون في إصلاح شباكهم الصفراء تحت شجيرات الدفلى فيما القطط الجائعة تجول علها تقتنص سمكة من هنا أو من هناك.

لكن في هذا العام لم يطلب منه العمل سوى لشهر واحد نظراً لشح أعداد السياح والزبائن؛ فقد خسر أكثر من 1000 مواطن يوناني في المنطقة وظائفهم الموسمية.

وسط الأهالي حالة من عدم الاستيعاب والتصديق، فعندما وقعت أزمة اللاجئين اندفع الأهالي بكل كرم وعطاء للمساعدة في إغاثة الملهوفين والمستضعفين؛ انتظموا في فرق لانتشال آلاف السوريين والأفغان وغيرهم من اللاجئين البائسين، وقدموا لهم يد المساعدة قبل أشهر طويلة من بدء وصول مساعدات الحكومات الأوروبية ومنظمات الإغاثة الإنسانية.

فخورون بأنفسهم

ss

يقول ثيانو لاوميس الذي يساعد في إدارة مقهى تو كيما: “كل القرية فخورة بما أسديناه، فعلى شاطئ المقهى كانت زوارق اللاجئين المتهالكة تحط بلا هوادة ودون توقف، لا يعرف المرء من ينقذ قبلاً، فقد كان هناك الكثيرون، لكننا أنقذناهم فهذا هو الأمر الطبيعي ومن شأنه أن يعود علينا بالصيت الحسن، وهو ليس أمراً سيئاً”.

لكن هبوط موسم السياحة ضرب ليسبوس فيما اليونان تصارع للنهوض من أزمة اقتصادية طويلة الأمد، والبعض يشعرون بالمرارة لأن مدّ اللاجئين ضاعف من مصائب بلادهم.

نيكوس كاتاكوزينوس صياد هو الآخر، يقول: “لا أريد عودتهم هنا ثانية، فقد أضروا بقريتنا وبالجزيرة بما يكفي”.

مع ذلك ليس كل أهالي سكالا سيكامينياس يلقون باللائمة على اللاجئين، فالعديد من أهالي القرية هم أنفسهم ينحدرون من لاجئين يونانيين فروا من تركيا غداة حربها مع اليونان في عشرينيات القرن الماضي. اليوم يستغرب هؤلاء غضب بقية أهالي البلدة من وصول السوريين وغيرهم ممن فروا من ويلات الحرب الذين يخاطرون في عبور بحر إيجه، هذا البحر الذي تحول إلى مقبرة جماعية ضمت رفات أكثر من ألف رجل وامرأة وطفل انتهت حياتهم نهاية مأساوية في عباب البحر.

ذكريات وصور أليمة يستذكرها بين الفينة والأخرى سكان سكالا سيكامينياس بعدما رجع إلى بحر إيجه هدوؤه وسكون صفحة مياهه الممتدة على طول الأفق.

ذات ليلة مؤخراً يمم الصياد فالاميوس شطر منارة كان أكثر اللاجئين يتجهون صوبها لدى اقترابهم من الساحل اليوناني قادمين من تركيا.

هنا عام 2009 وقبل أن تبلغ أزمة اللاجئين ذروتها كانت أوائل المرات التي أنقذ فيها فالاميوس حياة هؤلاء. وقتها كان مد لاجئي الشرق الأوسط آخذاً في البدء، وكان أمامه زورق بلاستيكي ينوء بحمولته الزائدة، 20 شخصاً يوشكون على الغرق. تمكن الصياد من إنقاذ 10، أما البقية ومنهم اطفال، فانزلقوا تحت الأمواج.

يقول فالاميوس الذي يظهر عليه الرزانة والترتيب: “قبل ذلك لم أكن أعرف ما هو الغرق. أدركت حينها أنك إن لم تكن تجيد السباحة فستغرق كقطعة حجر”.

من بعدما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال عام 2015، إن ألمانيا ترحب باللاجئين، غدت القوارب تتوافد بالآلاف في حين أن الحكومة اليونانية الغارقة بأزماتها الاقتصادية والسياسية فوجئت لأنها لم مستعدة ولا متأهبة للأعداد.

أما أهالي القرية فما كان منهم إلا أن هبوا للمساعدة فهرعوا صوب القوارب التي غمرتها المياه على وقع الصرخات التي تردد صداها على صفحة الماء.

يتذكر فالاميوس “كان أهل قريتنا في صدمة، فقد كان هناك الكثير من الرضع. كنا نتلقف الرضع أولاً ثم نعود لنجدة الكبار، وما تدري هل يصبح الأطفال يتامى أم ماذا؟”.

صمت هنيهة ثم أطرق ممسكاً بفكه وقال “رأينا الكثيرين يموتون”.

نظام للنجدة

ss

سرعان ما أنشأت القرية نظاماً للنجدة: كلما رأى أحدهم قارب لاجئين يمر بمتاعب، يبادر إلى تنبيه الصيادين كي ينطلقوا إليه. ثم يجتمع الأهالي على الساحل لاستقبال القوارب الآتية ومساعدة الناجين الذين كانت أعدادهم تصل نحو 5000 ناجٍ يومياً.

أما نساء القرية وعلى رأسهن الجدات فكان عليهن اقتياد الواصلين إلى منزل صغير به يلبسونهم ثياباً من التبرعات ويمنحون الحليب للرضع.

كان يورغوس سوفيانيس أحد المتمركزين على الشاطئ، فبحكمه راعي مواشٍ إسطبله أعلى تلة يستطيع رؤية القوارب تقترب.

حتى الخراف اعتادت

يقول: “في البدء كانت خِرافي نفسها ترتعد خوفاً من الصرخات، لكنهم مثلنا سرعان ما اعتادت الوضع”.

ويمضي سوفيانيس يستدعي حبل الذكريات فيضيف: “كان وضعاً من العالم الثالث، فالطرقات امتلأت بحشود الناس، وكنت ترى الجروح الغائرة على بعض الأطفال خلفتها الحرب في أوطانهم. إن أكبر الحاقدين كان قلبه سيلين لو رأى ذاك المشهد”.

ووسط كل الفوضى وجد سوفيانيس لنفسه السلوان والعزاء، فله ابن وابنة مراهقان توفيا في عامين متتالين عشية الكريسماس من جراء نوع نادر من مرض الصرع. “ذات ليلة وصل الشاطئ ولد يشبه ابني المتوفى إلى حد كبير، فأشحت بوجهي والدموع تخنقني. كم بوسع المرء أن يتحمل؟ على الأٌقل هذا الولد ما زال على قيد الحياة”.

زم شفتيه ونظر بحزن إلى البحر وقال “هكذا وجدت عزائي بإنقاذ هؤلاء الأطفال لأنني لم أستطع إنقاذ أطفالي”.
ولكن في شهر يوليو/تموز 201 بدأت زوارق خفر السواحل تجوب المياه بكثافة أكبر وملأت منظمات الإغاثة غير الحكومية المكان لتمد يد العون. عندئذ بدأت طواقم الصحافة الإخبارية العالمية تحل على بلدتنا تتدافع وتتسابق لتصوير البؤس الإنساني.

جاءوا ليصوروا

يقول سوفيانيس: “تحول الوضع إلى مشهد. أحياناً كان البعض منهم يتوقف عن التصوير ليساعد اللاجئين، لكن العديدين منهم جاءوا لممارسة عملهم فقط”.

يجيل ليفتيريس ستيليانو نظره في مقهاه ملبيري شبه الخاوي، ويتحدث بمرارة عن ما تلا تلك الفترة من أحداث “لقد أرادوا أن يسوقوا آلام الناس فيما نحن قدمنا كل ما لدينا للمساعدة” في إشارة إلى أطقم الأخبار والإعلام “نرجوكم أخبروا الناس أن الأمان والجمال قد عاد إلى هنا مرة أخرى، فنحن بحاجة للسياحة”.

يشارف موسم الصيف على الانصراف، لكن القرية ما زالت تصارع للعودة إلى سابق عهدها، لكن يبدو أن التعافي سيستغرق وقتاً.

ما عاد الأهالي ينظرون إلى البحر بنفس النظرة. فمع كل نظرة إلى الأفق يخيل إليهم لوهلة أن قارباً آخر محملاً باللاجئين قادم صوبهم.

ويختم فالاميوس قائلاً: “علينا أن نكون مستعدين. فلو تكرر الأمر فلن يتوانى أحد عن فعل الأمر إياه ثانية: سنمد يد المساعدة”.

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.

اقرأ المزيد ←


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*