الإثنين , ديسمبر 5 2016
الرئيسية / الفضائيون / فيروساتنا البشرية؛ أربعون مليون عام من الصنع المستمر.
فيروساتنا البشرية؛ أربعون مليون عام من الصنع المستمر.

فيروساتنا البشرية؛ أربعون مليون عام من الصنع المستمر.

يتعرض مليارات البشر للعدوى الفيروسية بشكل دوري كلّ عام، كالإصابة بالأنفلونزا وفيروسات البرد. عندما تتعرض أجسادنا للإصابة فإنّ الفيروسات لا تبقى داخلنا طويلاً، فجهاز المناعة لدينا ينقضّ عليها و يقاومها ويطردها للخارج، باستثناء بعض الفيروسات التي لديها القدرة على الهرب وإصابة عائل آخر لتحافظ على استمرار نوعها. في معظم الحالات تقتل الفيروسات العائل الذي تسكنه وتنهي وجوده، لكن في بعض الحالات النادرة جداً يحدث أن يندمج جينوم الفيروس مع جينوم العائل، ويصبح جزءاً من جينومه وينتقل بعد ذلك للأجيال القادمة.

 

 

يعرف العلماء أن هذا الإندماج قد حدث لأن جينات الفيروسات تكون دائماً مميزة، عندما يفحص العلماء الجينوم البشريّ، فإنّه قد يحدث أحياناً أن يصادفوا جزءاً من الحمض النووي يحمل علامات و خصائص الفيروسات، و أسهل أنواع الفيروسات التي يمكن التعرف عليها هي ” الفيروسات القهقرية “-مجموعة الفيروسات التي تضم فيروس الإيدز ، تصنع الفيروسات القهقرية نسخاً من أنفسها بغزو الخلايا الأخرى، وذلك باستخدام انزيم معين لإدخال جيناتها الى جينوم خلية العائل، بعد ذلك تقرأ الخلايا العائلة تعليمات الحمض النووي الدخيل وتصنع جزيئات معينة تتحول بعد ذلك إلى فيروسات جديدة !

في أغلب الأحيان يكون سلوك تلك المجموعة من الفيروسات كباقي أقرانها، تنتقل من عائل لآخر، لكن من الممكن أن ينتهي الحال بها في جينوم بويضة أو حيوان منوي ما للعائل المصاب، والذي ينتهي به الحال إلى أن يصبح جنيناً جديداً يحمل نسخة من الفيروس في كل خلية مفردة بما في ذلك بويضات الجنين الجديد أو حيواناته المنوية، وتظلّ تلك النسخ تتناقل عبر الزمن من الآباء إلى الأبناء إلى الأحفاد وهكذا.

يظلّ الفيروس محتفظاً بقدرته على التضاعف والإنقسام إن ظلّ حمضه النووي سليماً، يمكن أن ينتج فيروسات جديدة تحطم الخلية وتخرج منها وتنتقل إلى عائل جديد، لكن بمرور الأجيال تحدث طفرات للجينوم الفيروسي ويتكسر ويفقد قدرته على الهروب من الخلية، لكنّه على الرغم من ذلك قد يظل محتفظاً بحفنة من الحياة. وقد يتمكن من صنع فيروسات جديدة ليعيد إدخال جيناته إلى جينوم خلية ما في موقع آخر.

virus-chart-tran

 

تلك العملية الموضّحة في الشكل أعلاه قد ولّدت كمية ضخمة من الحمض النووي الفيروسي داخل جينوم الإنسان، اكتشف العلماء أنّ هناك 100.00 قطعة من الدنا قد جاءت من فيروسات قهقرية معروفة باسم الفيروسات داخلية المنشأ، وأن هناك نسبة تترواح  من 5 إلى 8 % من الجينوم الكامل للإنسان هي في الحقيقة حمض نووي فيروسي.

عندما بدأ علماء الأحياء بفك شيفرة جينوم الأنواع الأخرى،  اكتشفوا أنّ الجينوم قد أخذ ملايين السنين حتّى يُجمّع كل ذلك الدنا الفيروسي، ولقد وجدوا أنّ الفيروسات القهقرية داخلية المنشأ الموجودة في الإنسان هي نفسها الموجودة في جينوم الشيمبانزي، فعلى سبيل المثال: منذ أن انفصلنا عن أسلافنا الأوائل منذ سبع ملايين سنة، كان من المسلّم به أن هذا الجينوم الفيروسي المشترك قد أتى من أصل واحد مشترك.

قام غيكاس ماغيوركينيس- عالم فيروسات من جامعة أوكسفورد، هو وزملاؤه بمسح واسع النطاق للفيروسات داخلية المنشأ في الإنسان، والقردة، وقردة العالم القديم-مجموعة من الأنواع التي انحدرت من سلف مشترك من الرئيسيات قد عاشوا منذ 40 مليون عام مضت. قام العلماء بفهرسة الفيروسات في كل نوعٍ من تلك الأنواع وقارنوها بالأنواع الأخرى من الرئيسيات.

تمكّن الفريق من إعادة كتابة تاريخ حمضنا النووي الفيروسي بتفاصيلٍ لم يسبق لها مثيل، مع الإشارة الى نسبة الفيروسات التي أدخلت نسخاً جديدةً في حمضنا النووي.

 

بإمكان العلماء إرجاع أصل حمضنا النووي الفيروسي الى 30 أو 35 عدوى “غزوة ” منفصلة، بمجرد دخول الفيروس جينوم أسلافنا، كان قد أنشأ نسخاً من نفسه ونشرها داخل الجينوم.

كانت نسبة النسخ الجديدة التي أُدخِلَت على الجينوم ترتفع وتنخفض بمرور الوقت، وبمعدلات مختلفة لأفرع مختلفة من شجرة الرئيسيات. إليكم نظرة شاملة على تاريخ الفيروسات من خلال ذلك المخطط

fig1-22

لقد حصل أسلافنا على نسخ جديدة من الفيروسات منذ 40 مليون سنة مضت، بشكل أسرع بكثير مما حصلت عليه سلالتنا خلال المليوني سنة الماضية، فيروس واحد على وجه الخصوص يسمى بـ HERV-H  كان مسؤولاً عن أغلب النسخ الجديدة، ربما قد طوّر تعديلات جديدة لديه جعلته سريع الإنتشار داخل حمضنا النووي.

تُمثِل قردة البونوبو و المكاك المصطلح المسمى بقردة العالم القديم، والتي ظلّ معدل التناسخ الفيروسي فيها كما هو لثلاثين مليون سنة. لكن هناك قصة مختلفة يرويها جينوم القردة العليا، انخفض معدل التناسخ في كل فرع من أفرع القردة. نفس الأمر قد حدث بشكل متوازِ في أسلاف الإنسان والشيمبانزي والغوريلا وقردة الأورانج والجيبون.

 

قد يشير هذا الإنخفاض إلى شيئ ما. فمن الممكن أن يكون قد حدث بسبب محاربتنا لفيروساتنا الداخلية لملايين السنين.

فيروس دخيل جديد قد يسبب عطلاً في جينٍ أساسيٍ مما يتيح للخلية العائلة فرصة التحول إلى خلية سرطانية، وثّق العلماء ذلك التهديد بدراسة الفئران، والتي غالباً ما تكون من ضحايا السرطان المصحوب بفيروسات قهقرية. لاحظ العلماء أن خلايا الثدييات يمكنها أن تقلل من هذا الخطر بعدة طرق، أحدها هو لف الدنا الفيروسي حتى لايمكنه صنع نسخ جديدة، وهناك طريقة أخرى وهي خلق بروتينات خاصة تدمر الجينات الفيروسية حديثة التكوين.

 

هناك شيء واحد تشترك القردة العليا فيه وهي كبر حجمها.  إن كنت حيواناً كبير الحجم فهذا يعني أنّ لديك المزيد من الخلايا في جسدك، والمزيد من الخلايا قد تعني أنّ لديك الفرصة الأكبر والأخطر لتطورَ سرطاناً. إذن فإنّ خطرحدوث سرطان في الإنسان هو أكبر بكثير من الفئران، فمن الممكن أنّه بسبب زيادة حجم الجسم قد يطور الكائن أساليب دفاعية جديدة ضد السرطان. وتلك الأساليب ربما تشتمل على فعل أفضل مايمكن لكبح جماح الفيروسات.

 

لكن ماغيوركينيس ورفاقه قد أصابهم الارتياب. إن كِبر الحجم لدى الحيوانات قد يفسر فقط جزءاً من انخفاض معدل التنساخ الفيروسي. أظهرت الفيروسات انخفاضاً حاداَ في المعدّل في السلالة الإنسانية على وجه الخصوص. تظهر هذه الصورة التي أعّدها فريق الدراسة رسماً بيانياً يوضح تكرار النّسْخ الفيروسي في جينوم الإنسان على مدار الزمن.

histogram1

خلال ملايين السنين المنقضية، فيروس وحيد قد استمر في تضاعفه يسمى بـ HERV-K ، يمكن أن تتواجد نسخ من ذلك الفيروس في بعض الناس والآخرين لا. من خلال التعرّف على نمط تلك النسخ يمكننا القول بأن ذلك الفيروس يصنع نسخاً داخل الجينوم منذ 250.000 سنة مضت.

 

من الممكن أن يكون الفيروس ميتاً تماماً الآن. ليس هنالك من دليل على أنّ HERV-K والفيروسات داخلية المنشأ الأخرى أنها تنتشر بفاعلية أو تسبب السرطان. إنه لمن الصعب عند هذه النقطة أن نقول لماذا أوقف البشر هذه الفيروسات عن الإنتشار. لكن ماغيوركينيس لديه اقتراح: ربما حدث انخفاض في معدل الإصابة بالفيروسات الجديدة لدى أسلافنا.

 

تنتشر الفيروسات القهقرية مثل الإيدز عبر الدم. تستخدم الرئيسيات الأخرى أسنانها كسلاح، إما للفتك  بالضحية أو لقتال حيوان آخر من نفس الفصيلة. يصاب الحيوان بالعدوى إذا كانت ضحيته مصابة، لكنّ البشر كان لديهم طريقة أخرى لجمع الطعام، فقد استخدموا أدوات أخرى أفضل من الأسنان، إضافة لكفّ الذكور عن عضّ بعضهم البعض بأسنانهم، ذلك التحول الذي سبب تقلصاً في حجم الأنياب في أسنان أسلافنا. عن طريق تقليل تعرضنا للفيروسات المتنقلة بواسطة الدم فقد أوقفنا الفيروسات القهقرية عن اجتياج الجينوم الخاص بنا.

 

ليست هنالك من طريقة لإخبار الناس أن مآلنا مع تلك الفيروسات في مأمن الآن. أو أن فيروس الإيدز أو أحد الفيروسات القهقرية الأخرى سوف تدير جيناتنا لحسابها. لكن معرفة تاريخ فيروساتنا الداخلية سوف يظل أمراً مهماً لصحتنا، وقد اكتشف العلماء أن البروتينات التي ينتجها HERV-K وجدت في الأورام السرطانية، مما يشير إلى أن الخلايا السرطانية من الممكن أن تسخر بعض القوى الحيوية الموجودة في تلك الطفيليات القديمة لصالحها. إن معرفة ماضي تلك الفيروسات يعدّ أمراً ضرورياً لأنّه بإمكانه أن يدعنا نفهم كيف لها أن تؤثر على صحتنا في المستقبل.


 

اقرأ المزيد ←


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*