الأحد , ديسمبر 4 2016

الرئيسية / لأول مرة في البلد العلماني.. نساء قاضيات في الهند يحكمن بالشريعة الإسلامية.. فهل تتحقق العدالة على أيديهن؟
لأول مرة في البلد العلماني.. نساء قاضيات في الهند يحكمن بالشريعة الإسلامية.. فهل تتحقق العدالة على أيديهن؟
Geeta (2nd R in pink scarf) sits and wait along with differently-abled personÕs instructor (C), to start case hearing at district City court in Karachi, Pakistan, September 3, 2015. A Pakistani court on Thursday rejected a petition to send back to India Geeta, a deaf-mute woman who lost her family when she wandered over one of the world's most militarised borders as a child, saying the two nations should resolve the issue diplomatically. REUTERS/Akhtar Soomro

لأول مرة في البلد العلماني.. نساء قاضيات في الهند يحكمن بالشريعة الإسلامية.. فهل تتحقق العدالة على أيديهن؟



في منزلها الكائن بمدينة بوبال الهندية تجلس الجدة صفية أخضر لتستمع لأقاصيص الجارات وأحاديثهن الخاصة من مشاكل وشكاوى تؤرقهن.

في الأسبوع الواحد تتردد النساء على بيتها 3 مرات، تشرع كلٌّ منها في سرد سيل مشاكلها وشكاويها من خيانة الأزواج وكيد الحموات والإهمال والهجران وسوء المعاملة. بآذان صاغية تستمع الجدة صفية لكلا الطرفين في النزاع قبل أن تقضي بحكمها الذي تستوحيه من تعاليم القرآن الكريم، وفقاً لما نشره موقع The Daily Beast الأميركي.

صفية أخضر هي “قاضية” تقضي بالشريعة الإسلامية؛ ورغم ندرة أعداد هؤلاء إلا أن هنالك حركة للتغيير بين النساء المسلمات اللواتي سئمن ظلم المجتمع وممارساته المجحفة، حيث ثمة إقبال من المرأة المسلمة على تولي قضايا العدالة وحكم القضاء الإسلامي بيديها.

زكية سومان ناشطة مرموقة وهي من النساء اللواتي تولين زمام المبادرة والقيادة. منظمتها تدعى Bharatiya Muslim Mahila Andolan أو BMMA اختصاراً، ولها حوالي 10 سنوات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة المسلمة، وتقوم الآن بتدريب ما تسميه “أول دفعة في الهند من النساء القضاة” اللواتي سيشرفن على أمور مثل التزويج والطلاق وغيرهما من المسائل الشخصية في المجتمع المسلم.

أما الجدة صفية أخضر فهي من باكورة خريجات الدفعة الأولى التي شملت 30 امرأة.

تقول زكية سومان: “الآن بات هنالك صوت بديل ينادي من داخل المجتمع الهندي المسلم مطالباً بالعدالة والمساواة للمرأة. ولعل أهم ما في الأمر أن المزيد والمزيد من النساء المسلمات تشجعن لدعم هذا التغيير”.

 

أكبر أقلية دينية

 

ومع أن الهند دولة ديمقراطية علمانية إلا أن الحكومة تسمح لكل مجموعة دينية بتولي أمورها وأحوالها الشخصية بنفسها من مثل الزواج والطلاق والميراث. ويبلغ تعداد مسلمي الهند 180 مليوناً، وهم بذلك أكبر أقلية دينية في الهند وأكبر مجموعة مسلمين سكانية في كل الدول الإسلامية بعد إندونيسيا؛ يحل أمورهم ويقضي فيها عادة قاضٍ من الرجال، وتقول سومان إن القضاة الرجال يعملون على استدامة ممارسات “همجية وغير قرآنية”.

وقد شهدت سومان وزميلاتها التبعات الوخيمة لهذه العادات، واستنتجت أن مشكلات النساء الهنديات المسلمات لا تنبع من الإسلام نفسه، بل تنبع من الرجال.

وتوضح سومان: “لقد كفل القرآن العدالة للمرأة”، وفي رأيها أن أشهر الممارسات ضد المرأة والمقترنة بالإسلام “غير محضوض عليها في القرآن بتاتاً”.

وسعياً منها لتوازن كفتي ميزان العدالة بين الجنسين أسست سومان وزميلاتها “دار العلوم للنساء” التي توفر برنامجاً لتدريب للقضاة من النساء انطلق بدءاً من العام الماضي.

ويستمر البرنامج سنة كاملة، ويستهل دروسه بالغوص عميقاً في قوانين البلاد ودستورها والتبحر بالذات في موضوع الحماية القانونية للأقليات والنساء. بعدها ينتقل التركيز إلى دراسة الإسلام والقرآن “من منظور إنساني ومنطلق العدالة بين الجنسين”.

وتتابع سومان: “نأخذهن في جولة لنريهن كيف أن كل عملية تفسير للقرآن ووضع الأسس الإسلامية كانت على الدوام بأيدي العلماء الرجال. من بعدها نركز على الآيات المتعلقة بالمرأة مثل الزواج والطلاق وتعدد الزوجات والقوامة ودور المرأة في المجتمع، ونأتي على آيات توضح دون مواربة أن الرجل والمرأة سواسية أمام الله”.

ثم مع نهاية العام ستتم مجموعة من 10 نسوة تدريبهن، وهن مجموعة متنوعة وخليط من 10 ولايات هندية، ثلثهن أتممن تعليمهن الرسمي فيما 4 منهن من حملة الماجستير. وستبدأ هؤلاء النسوة مزاولة عملهن بالتزويج وحل النزاعات العائلية بحلول نهاية العام، هذا إن لم يكنّ قد بدأن أصلاً نشاطهن.

ولا تخلو هذه المبادرة من إثارة الجدل، فصفية أخضر اسمٌ عتيد في ميدان الدفاع عن حقوق المرأة، وقد اقترن اسمها في الصحافة المحلية بأسماء كسلمان رشدي وتسليمة ناسرين الكاتبة النسائية من بنغلاديش التي هربت إلى المنفى خوفاً من تهديدات القتل نظراً لانتقادها الإسلام. تقول أخضر: “هنالك في المجتمع من يقولون إن النساء القضاة ينبغي عزلهن من المنصب لأنه ما من قاضية في الإسلام وينبغي نبذ ذلك”. وتوضح أخضر أنها لا تخشى على سلامتها “بعد”، لكنها أثارت ردود فعل غاضبة في الصحافة.

أما ابنها سعود أخضر فيقول: “إنه مفهوم جديد لمعظم المسلمين في هذه المدينة لأنهم لم يسبق أن رأوا قاضية من قبل. بل اعتادوا رؤية قاضٍ بلحية وعمامة، ولهذا فوجئ الكثيرون”.

ولا تأتي الانتقادات من طرف رجال الدين المحافظين ومن معهم وحسب، بل كذلك من طرف أنصار تطبيق نظام علماني بحت يتخلص من “نظام القضاء الموازي” في الهند.

طفيل أحمد في كتابه “الخطر الجهادي على الهند.. قضية الإصلاح الإسلامي من وجهة نظر هندي مسلم” يكتب قائلاً: “يجب ألا يكون في الهند سوى دستور واحد، وألا توجد فيها سوى المحاكم والقضاة العاملين في ضوء هذا الدستور”. ويضيف: “إننا في العصر الحالي لا يجوز أن نترك الكلمة في حرية المرأة المسلمة للقرآن”.

لكن سومان تقول إن الأغلبية الساحقة من 5000 امرأة قامت منظمتها باستبيان آرائهن عام 2013 قلن إنهن يردن للقضاة الحفاظ على الدور الفيصل الشرعي في الشؤون العائلية، كما أن حوالي 90% منهن قلن إنهن يردن إخضاع النظام لمعايير ثابتة وإصلاحه بحظر ممارسات مثل تعدد الزوجات.

وحصلت منظمة BMMA هذا الصيف على تأييد حينما أطلقت نداءً دعت فيه إلى إلغاء وقوع الطلاق الفوري بعد ترداد كلمة الطلاق 3 مرات متتابعة.

فقد حصد هذا النداء أكثر من 50 ألف توقيع من النساء المسلمات حول البلاد، تلاه بعد ذلك إعلان تأييد منفصل من الرجال المسلمين وقعه مختلف الرجال من طلبة الجامعات وحتى نجوم بوليوود.

هذه المرونة مكّنت أخضر من مزاولة القضاء حتى قبل تلقي التدريب، فبعدما درست القرآن سنوات ومارست نشاطها مع منظمة BMMA وشعرت بثقة لتقدم خدماتها كي تفض النزاعات.

أما التدريب الجديد الذي حصلت عليه فلا يزيد مؤهلاتها إلا ثباتاً ودعماً. تقول أخضر (65 عاماً) إنها تنظر شهرياً في 10-15 قضية يتجلى فيها “الفهم الخاطئ لحكم الشريعة في المجتمع”.

 

مشاكل زوجية

 

ومؤخراً على سبيل المثال جاءتها امرأة طلباً للعون والمساعدة بعدما طلقها زوجها أثناء نومها. تقول أخضر إن “الزوجة حينما استيقظت أخبرها حمواها قائلين: لست زوجة ابننا بعد اليوم لأنه رمى عليك الطلاق أثناء نومك. لكن لم يكن هناك من شهود أو ما شابه”، ولهذا حكمت أخضر ببطلان هذا الطلاق، مستشهدةً بآيات قرآنية توجب مرور 3 أشهر قبل أن يصبح الطلاق بائناً، على أن يكون الصلح في تلك الفترة سيد الأحكام.

كذلك قضت مؤخراً في حالات وقع فيها طلاق ثلاثي عبر الشبكات الاجتماعية (حيث قضت ببطلان الطلاق)، كما قضت في مسألة رجل رفض إعطاء طليقته نفقة مالية بعيد طلاقهما. وقالت أخضر إنها قضت في حكمها بمساعدة المرأة كي تحصل على نفقة قدرها مليون روبية (15 آلاف دولار تقريباً) تعويضاً لها.

يذكر أن أحكام أخضر غير ملزمة لأحد، فللعائلات مطلق الحرية بالأخذ برأيها أو برفضه والاستئناس برأي آخر في مكان آخر سواء ضمن أطر قانون البلاد أو بالاستناد إلى سلطة دينية أخرى يطمئنون أكثر لحكمها وصلاحها. مع ذلك تثق أخضر وسومان بأن مجرد وجود نسوة قضاة في المجتمع الهندي كفيل بترجيح كفة ميزان العدالة نحو القسطاس المستقيم.

اقرأ المزيد ←

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*